حكيم * ٤٠ سنة
بينما كانت الذكريات تنهمر أمام عينيه كالمطر في ليلة باردة، وجد نفسه غارقًا في تفاصيل وجهها، الفتاة التي أحبها بجنون في طفولته، وظلت روحها تسكن قلبه حتى مراهقته. لم تكن مجرد فتاة نحيلة الجسد، كانت قلبًا يتسع للعالم كله، قلب أم قادرة على احتواء كل أطفال الدنيا، ورجالها أيضًا. مرّت اللحظات أمامه وكأنها مشاهد من فيلم سينمائي قديم، متآكل الأطراف، لكنه محفور في أعماق الذاكرة. تذكر ما كان ينبغي له أن ينسى، تذكر خطواتهما وهما يسيران معًا بين الأشجار في طريقهما إلى المدرسة. يدها الصغيرة في يده، وقلبه يخفق بجنون، ليس فقط بسبب الحب الذي اجتاحه، بل بسبب الخوف الذي سيطر عليه من أن يراهم أحد من أهل قريتهم التي ابتلعتها الفاقة. كان يشعر أن يديه تلامس يديها، مشدودتين بين الخوف والحب، وكأن الزمن توقف لهما فقط، وكأن اللحظة كانت مهددة بالزوال في أي لحظة.
الآن، مرت تلك اللحظات، وهو واقف على حافة الذاكرة يتأمل أين صارت هي وأين صار هو. بينهم الآن محيطات، قارات، بلاد وحدود. هي في مكان غارق في الجليد والسقيع، وهو تحت دفء الربيع وأشعة الشمس التي تلمس بشرته بلطف. ومع ذلك، الأسئلة لم تهدأ في رأسه: كيف حالها؟ هل تشتاق لتلك الأيام كما يشتاق هو؟ أم أن الزمن قد جرف كل شيء بعيدًا؟ وبينما كان غارقًا في تلك التساؤلات، جاءه صوت فجائي من بعيد: "حاسب يا أستاذ، هتموت نفسك كده!"، ثم تلتها همهمات العجائز في الشارع: "يا ساتر يا رب!" فأدار وجهه عنهم، محاولًا أن يخفي ألمًا لا يُقال، حاملًا ذكرياته وحسرته في قلبه، واتجه نحو المجهول، كأن الطريق لم يعد له نهاية
.
تعليقات
إرسال تعليق