ظل رجل *

 مرت الأعوام كحمل ثقيل ينوء به الظهر، ويمتد به الزمن ليخلف وراءه من فقدنا ومن سقط منا. وكأنما كل سنة حملٌ جديد، وكل ذكرى جرح غائر لا يندمل. تمر الصور أمام عينيك كخيوط من ضوء، شريط سحري يعيدك إلى طفولتك وصباك وشبابك، حيث الأصدقاء الذين مضوا بلا أثر، والعشيقات اللاتي طواهن النسيان. تلك الحبيبة التي بقيت في طيّ الأسرار، لم يعرف عنها أحد، ولم تبح لها بسرك الدفين. كانت حلماً يطوف بخيالك، ظلًّا بعيدًا لم تستطع الاقتراب منه.



ثم تتبدى أمامك صورة تلك الفتاة البريئة التي أعلنت لك حبها بكل صدق، وأنت لم ترد لها إلا الخذلان. أكنت عاجزًا عن حبها؟ أم أحببت حبها لك دون أن تبادلها المشاعر؟ في النهاية، كنت أنت من رحل وتركها وحيدة. وتستمر الذكريات في التدفق، تعيدك إلى رفاقك، إلى مصائبكم المشتركة، إلى رحلاتكم التائهة بلا هدف . تذكرك بتلك الساعات التي كنت تنتظر فيها القطار، الوقت الذي كان يمر ببطء قاتل، وكأنما الحياة قد توقفت.


تستمر الذكريات في الجريان، تعود بك إلى صديقك ومصائبكما سويا، إلى تلك الرحلات التي لم يكن لها هدف، تلك اللحظات التي كنت تنتظر فيها القطار وكأن الوقت قد توقف. تستيقظ مبكرًا، تصلي الفجر، وتستعد للحاق بالقطار، خطواتك تسبق أنفاسك المتلاحقة، داخلك يغلي كمرجل لا يهدأ. تسير في طريقك، مهمومًا، تلتقي وجوهًا عابسة في رحلة لا تنتهي، رحلة سرمدية بلا معنى.


تعود إلى المنزل، فتجد طعامًا شهيًا أعدته لك أمك، لكنك لا تشعر سوى بالغضب. تدخل غرفتك، تمسك قلمك وتبدأ في الكتابة. كلمات مبعثرة، بعضها موجه لتلك الحبيبة المارقة وأخرى لتلك التي أحبتك ولم تحبها. تكتب سطرًا تلعن فيه صديقك، وسطرًا آخر تشكر فيه القدر الذي جعلك تلتقي به. وفجأة، ينقطع شريط الذكريات، فتعود إلى واقعك القاسي.


أنت الآن وحيد، لا أصدقاء بجانبك، ولا أم تحنو عليك. والحبيبتان الحبيبة التي أحببتها والتي أحبتك، كلتاهما غائبتان. تقف وحيدًا في بلاد غريبة، حيث الريح والثلج يتعاقبان بلا رحمة. 

تذهب إلى عملك الرتيب، محاطًا بوجوه جامدة، موظفين يشبهون الموتى. تلعن الظروف، تندب حظك العاثر. وتبقى الذكريات كمارد يطل من صندوقها كلما حاولت الابتعاد، كلما حاولت أن تمزق شريطها المؤلم...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربي الضال

العربي الضال -2

رحلة قصيرة ....