العربي الضال -2

 


في مقال سابق، كشفتُ عن تحولاتي الفكرية العميقة التي أعقبت عام 2011، وكيف أن تجربة "ثورة يناير" المريرة قادتني إلى استيعاب قاسٍ لأهمية الدولة، حتى وإن كانت مثقلة بالعيوب. اليوم، وبعد سنواتٍ من تلك التحولات التي ظننتُها قد رسخت قناعاتي، أجدني أقف على حافة هاوية جديدة، أمام زلزالٍ وجودي يضرب أركان الأمة من الصميم، زلزال "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023. هذا الحدث، الذي تجاوز في دلالاته كل ما هو فلسطيني ليصبح مرآةً كاشفةً لوجه أمتنا، لم يكن مجرد انتفاضة عابرة، بل كان نقطة تحولٍ فارقة دفعت بالكيان العربي نحو منحدرٍ تراجعيٍّ لم يتوقف حتى هذه اللحظة، ليضعنا أمام أسئلةٍ وجوديةٍ أشد قسوةً وعمقًا مما واجهناه في أي وقت مضى.


ما تعيشه فلسطين الآن ليس مجرد صراعٍ محليٍّ بين فصيلٍ ومحتل، بل هو تهديدٌ وجوديٌّ يطال الأمة العربية بأسرها، يكشف عن هشاشةٍ مفجعةٍ في بنيان المقاومة، وعجزٍ عربيٍّ طالما حذرتُ منه، وها هو يتجلى بأبشع صوره. أمام هذا المشهد المروع، تواجه التيارات السياسية المختلفة المعضلة ذاتها التي طالما ناقشتها: هل نُعلي من شأن هذا الطوفان ونعتبره ميلادًا لنظامٍ جديدٍ واعد؟ أم نتعامل معه كعاصفةٍ هوجاء تهدد ما تبقى من بنيانٍ قائم، فنسعى جاهدين لاحتواء تداعياتها، حتى لو اقتضى ذلك مرونةً مؤقتةً مؤلمة؟


الإجابة – من وجهة نظري، التي تشكلت عبر سنواتٍ من التأمل المرير والتجربة القاسية – لا تحتمل اللبس: هذا الصراع لن يبني نظامًا جديدًا، بل قد يقود إلى هزيمةٍ ساحقةٍ تفتح أبواب المجازر على مصراعيها، وتدفن آخر بصيصٍ من الأمل لأجيالٍ قادمةٍ لم تعرف سوى الخيبة. وقد كلّفني هذا التحليل الصادق اتهاماتٍ بالانهزامية والتبرير لوحشية المحتل، وهي انتقاداتٌ موجعةٌ تخترق الروح، لكنها تحمل قدرًا من الحقيقة، تمامًا كما كان نقدي لنفسي في مقالي السابق مؤلمًا، لكنه كان ضروريًا.


أعترف هنا بحقيقتين جوهريتين: أولاهما أن بنيان المقاومة والعجز العربي قد بلغ من الهشاشة مبلغًا لم يعد يحتمل، وقد سبق أن حذرتُ من انهياره قبل طوفان الأقصى. وثانيتهما ميلي السابق لأجندةٍ راديكاليةٍ كانت تدعو لتحويل المقاومة إلى معولٍ لهدم الأنظمة العربية. أما اليوم، فمهمتنا باتت مزدوجةً وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى: كبح جماح السقوط الحر للمقاومة، ومنع إسرائيل من تحقيق نصرٍ ساحقٍ في آنٍ واحد. إنها مهمةٌ متناقضةٌ إلى حد التمزق، تشبه محاولتنا اليائسة في الماضي إيقاف السقوط الحر للنخبة الحاكمة لشراء الوقت لتشكيل بديلٍ لها، في سباقٍ مع الزمن كنا فيه دائمًا الخاسر الأكبر.


في مسيرتي الفكرية، التي انطلقتُ فيها شابًا غضًا منخرطًا في نشاطاتٍ سياسيةٍ متنوعة، تقاطعتُ مع تياراتٍ متنافرةٍ كالإخوان والسلفيين والاشتراكيين. أتذكر جيدًا عندما كنت وكيلاً عن أحد مرشحي الإخوان في انتخابات عام 2005، وكيف هتفتُ بعد فوز مرشحنا بقلبٍ يملؤه الأمل الساذج: "سقط مبارك، وها نحن نبدأ تحرير الأقصى!" – كانت تلك أحلامًا بريئةً، مليئةً بالسذاجة التي لا تغتفر، سرعان ما تحطمت على صخرة الواقع الصلبة، تاركةً خلفها حطامًا من الأوهام. لكنني مع ذلك، لم أسعَ يومًا نحو تفكيك مؤسسات الدولة، بل آمنتُ بمقاومةٍ منضبطةٍ ترفض الفوضى، لأنني أدركتُ بفطرتي أن إسقاط الدولة لم يكن ولن يكون حلًا، بل هو بدايةٌ لانهيارٍ أعمق.


اليوم، وبعد كل هذه السنوات التي حملت معها خيباتٍ متتالية، أدرك أن الأنظمة لا تتهاوى بالأفكار البديلة وحدها، ولا حين تنكشف تناقضاتها الداخلية الصارخة، وهو ما أشرتُ إليه سابقًا في حديثي عن "النقد الملازم" الذي مارسه حسن البنا ببراعة. لذا، اخترتُ السياسة التقليدية، مبتعدًا عن النماذج الراديكالية التي أثبتت فشلها، بدوافع قد توصف – بلا مواربة – بأنها "دولجية"، وهو وصفٌ أصبحتُ أتقبله ولا أخجل منه، رغم أنه قد يجذب بعض المعاتيه الذين لا يفقهون عمق المعضلة. وفي مفترق الطرق هذا، يواجه كل مفكرٍ عربيٍّ خيارين لا ثالث لهما: "النقد الملازم" كما فعل حسن البنا حين فضح النظام من داخله، أو "البناء الجذري" القائم على هدم المسلّمات وإعادة البناء من الصفر. أما أنا، فانجذبتُ للإخوان لحسّهم المقاوم، لكن السؤال الأعمق الذي بقي يطاردني كشبحٍ لا يغادر: "المقاومة من أجل بناء أي مشروع؟" – والإجابة الأصدق، والأكثر إيلامًا، جاءتني  من فلسطين، لتصفعني بحقيقتها العارية.


فلسطين هنا ليست مجرد شعارٍ أجوف يُرفع في المنابر، بل هي جرحٌ نازفٌ لا يقبل التزوير، مرآةٌ قاسيةٌ تكشف هشاشتنا وقسوتنا وصمتنا المطبق. إن صورة الطفل الذي يخرج من تحت الركام، ممسكًا بدمية أخته المقتولة، هي خطابٌ صامتٌ يخترق القلوب دون حاجةٍ لترجمة، صرخةٌ إنسانيةٌ تتجاوز كل اللغات. هذه المقاومة ليست ترفًا فكريًا، بل هي رفضٌ قاطعٌ للسير في جنازة الأمة، وإدراكٌ مؤلمٌ أن ما يحدث في غزة يمسّنا جميعًا، يمزقنا من الداخل. حين أرى وجوه أطفال غزة، لا أراهم أبناء الأرض المحتلة فحسب، بل أرى أطفال العرب جميعًا، أرى مستقبلنا الذي يذبل. الفارق الوحيد أن موتهم لم يُبكِ أحدًا كما ينبغي، وهو ما يزيد من إحساسي بالعجز والخزي والذنب الذي لا يُقال، ذنب الصمت والعجز.


في هذا السياق المأساوي، تبرز رواية "الشوك والقرنفل" للأسير يحيى السنوار كاستعارةٍ أدبيةٍ بليغةٍ لروح المقاومة التي لا تنكسر، وتجسيدًا للصراع الوجودي الذي تعيشه الأمة. كتبها السنوار خلف القضبان، ليكشف عن حياةٍ موازيةٍ حيث السجن ليس مجرد مكانٍ بل كائنًا متوحشًا يحاول افتراس إنسانية السجين. لكن المفارقة الصارخة أن الإنسان يقاوم – لا دائمًا بالسلاح – بل برسالة حبٍّ خفية، أو بحنينٍ جارفٍ إلى وردة قرنفل تتسلل بين الشوك لتعلن عن الحياة. هذه الرواية هي تشريحٌ عميقٌ لجوهر اللحظة الفلسطينية: صراعٌ أبديٌّ بين ثنائيات الثورة/الحياة، البطولة/الضعف، المقاتل الصلب/العاشق الخائف على قلبه من الذبول. إنها إصرارٌ عنيدٌ على أن تزهر الزهرة في تربة الشوك القاسية، وهو ما يعكس روح الصمود الأسطورية التي يجب أن نتحلى بها في مواجهة التحديات الراهنة، تحديات الوجود ذاته.


أما في صباح يومٍ عاديٍّ، يومٍ يشبه كل الأيام، فتبدأ طقوسي كغيري: قهوة الصباح المرّة، ثم تصفح تويتر حيث الشاشة تنزف صورًا لهمجية لا تكتفي بتدمير الحجر، بل تمزق الأرواح في غزة، تنهش ما تبقى من إنسانيتنا. أبعث لزوجتي رسالةً، أحاول مشاركتها الثقل الذي يخنق صدري، الثقل الذي لا أستطيع حمله وحدي. اختلفنا في بداية العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، وهي كانت ترى الحرب عاصفةً عابرةً ستمر، أما أنا فأحسّ باختلافٍ جوهريٍّ هذه المرة. إنها حربٌ لا مثيل لها في دمويتها وقسوتها، وألمها الذي لا يغادر القلب ولا الروح، يلاحقني كظلٍّ أسود. هذا التناقض الصارخ بين روتين الحياة اليومية السخيف وواقع الألم الذي نراه على الشاشات، هو ما يضعنا أمام مرآةٍ لا ترحم، تكشف عجزنا وصمتنا المخزي، ويجعلنا نتساءل بمرارة: هل اعتدنا الموت، فصار وجع الآخرين خلف الشاشة شيئًا نمرّ عليه ثم نذهب لإعداد الغداء، وكأن شيئًا لم يكن؟


في الختام، أعترف أن دفاعي عن الاستقرار – رغم رفضي الجذري للنظام – قد يبدو تناقضًا لا يغتفر، لكنني "لست مستعدًا أن أموت حاملاً رايةً تُرفع على أنقاض منازل اهلي ".

 نحن أمةٌ على حافة الهاوية، وطريق النجاة الوحيد يبدأ باعترافٍ جذريٍّ بالهزيمة، هزيمةٍ لا يمكن إنكارها. قد نتعاون مع الخصوم، لكن دون أن نصير كمن عاش على أطلال أحلامه، يقتات على سراب الماضي. التحدي الأكبر هو تجنب فخ التطرف الثوري الذي يقود إلى الخراب، مع الإمساك بوعيٍ ثاقبٍ لفشل الدولة، ومحاولة إنقاذها من نفسها، إن كان للإنقاذ من سبيل...

لكنني اليوم، حين أنظر إلى المشهد الكارثي، أرتجف لا من وحشية العدو التي نعرفها، بل من هشاشتنا التي لم نكن ندركها. لقد سقطت الدولة... وسقطت معها رواية النصر الزائفة. لم تعد الشعارات الجوفاء كافية. لم تعد الهتافات العالية تسقط طائرات. بات المطلوب اليوم أن نمنع الهزيمة الكاملة، لا أن ننتصر. أقولها بمرارةٍ تدمي القلب: أنا لست ممن يسعون إلى سقوط الدولة. بل أحاول، ما استطعت، أن أفهم فشلها كي لا تسقط أكثر، كي لا تنهار تمامًا. لكنني أيضًا، لست ممّن يجمّلون فشل المقاومة. فحين تسقط الأخلاق من معادلتها، تُصبح مجرد موتٍ مجّانيٍّ لا طائل منه.


نحن اليوم في لحظةٍ مرعبةٍ، لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة: المقاومة تنهار من الداخل، والدولة العربية تترنّح و على وشك السقوط، والأمة تنظر كأنها لا ترى، كأنها في غيبوبةٍ عميقة.


---


قال لي أحدهم بلهجةٍ اتهامية: "أنت تبرّر الهزيمة".

وأنا أقول له بقلبٍ مثقلٍ بالحقيقة: بل أعترف بها، أواجهها بصدق. الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل هي لحظة صدقٍ مؤلمة. أن تعرف أنّك ضعيف، أن ترى صورتك الحقيقية في مرآة الواقع القاسية، تلك هي أولى خطوات التغيير الحقيقي، بداية الصحوة.

أنا العربي الضال، لا أبحث عن المجد في خرائط بلا حدود، ولا ألوّح برايةٍ زائفةٍ على أنقاض أهلي ووطني.

بل أحاول، رغم العجز الذي يكبلني، أن أُمسك بما تبقّى من إنسانيتي، من كرامتي.

أن أقاوم، لا لأربح الحرب التي تبدو مستحيلة، بل لأحمي نفسي من التحوّل إلى نسخةٍ أخرى من عدوي، نسخةٍ مشوهةٍ لا تشبهني.


---


في الختام... في هذا المشهد القاتم:

ليست القضية اليوم أن ننتصر، فالنصر بعيد المنال.

القضية أن لا نُستأصل، أن لا نمحى من الوجود.

أن لا نفقد أرواحنا ونحن نرفع صوتنا، أن يكون لموتنا معنى.

أن نعرف أن الطفل الذي خرج من تحت الأنقاض ممسكًا بدُمية أخته الميتة، ليس أيقونةً للمقاومة يمكن استهلاكها، بل هو مرآةٌ لنا جميعًا، تكشف قبحنا وعجزنا.

وأن نكفّ عن استهلاك الألم كأنه مسلسلٌ دراميٌّ نتابعه كل مساء، ثم نغلق الشاشة وننام.


نعم، نحن خاسرون، والهزيمة تلوح في الأفق.

لكن من قال إن الخسارة عار؟

العار الحقيقي أن نخسر... ونتظاهر بالنصر، أن نكذب على أنفسنا وعلى التاريخ.

*رابط المقال السابق العربي الضال 

https://mahmoudysalem1.blogspot.com/2016/09/blog-post.html?spref=tw&m=1العربي الضال


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربي الضال

رحلة قصيرة ....