سقوط بالتقسيط

 لم يكن يعرف وهو يبني حياته انه كان يبنيها على فكرة خاطئة عن نفسه

كان يظن ان السيطرة تعني الصمت

وان الرجولة تعني الا ينكشف

وان الحب يبقى طالما الصورة متماسكة

كبر وهو يتعلم ان الرجل لا يشكو

لا يطلب

لا يعترف بانه خائف

فصار يخفي كل تصدع خلف جدار من الهدوء المصطنع

نجح سريعا

العمل ازدهر

المال دخل

الناس صفقوا

والاب ابتسم اخيرا

واخوه وقف بجواره كأنه امتداد طبيعي له

لكنه لم ينتبه ان ثقته لم تكن موزعة بعدل

اعطى اخاه صلاحيات اكبر من رقابته

واعطى صورته اهمية اكبر من حقيقته

واعطى الناس نسخة مصقولة منه بينما كان الجزء الحقيقي يضعف بصمت

حين بدأت الخسائر لم تكن مفاجئة

كانت اشارات صغيرة

تأجيل هنا

عقد غامض هناك

ارقام لا تتطابق

لكنه كان مشغولا بالمظهر

مشغولا بفكرة ان الرجل الناجح لا يشك

وعندما انكشف الامر

لم يكن امامه انهيار مالي فقط

بل انهيار تصور كامل عن نفسه

الخلاف مع ابيه لم يكن سببه المال وحده

كان صدام جيلين

اب يرى في الاعتراف ضعفا

وابن يخاف ان يثبت له ذلك

اخوه لم يخنه فجأة

الخيانة نمت في مساحة الثقة العمياء

وفي لحظة وجد نفسه بلا شريك

بلا ظهير

بلا عائلة متماسكة كما كان يتخيل

اما هي

فلم تكن تطلب ثروة

كانت تطلب صدقا

لكنه قدم لها نسخة باردة منه

نسخة تحسب الكلمات ولا تقول الحقيقة

وهكذا لم تتدمر حياته بضربة واحدة

بل بخيارات صغيرة متكررة

اختار فيها الصمت بدل المواجهة

والقناع بدل الاعتراف

والعناد بدل الحوار

مدينته لم تتغير

الناس نفسها

الشوارع نفسها

لكن موقعه بينها تغير

صار اسمه يذكر بصيغة الماضي

وصار حضوره اخف

وصار البيت اكبر من طاقته

حياته لم تنته

لكنها تفككت

كالبيت الذي لم يسقط دفعة واحدة

بل تشققت جدرانه حتى صار السقوط مسألة وقت

وكان يمكن لكل شيء ان يكون مختلفا

لو انه تعلم مبكرا

ان الحقيقة مهما كانت قاسية

اقل تدميرا من كذبة يعيشها الانسان عن نفسه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلة قصيرة ....

هذا القلق ليس له ما يبرره

التاريخ الكامل لمجزرة مدرسة بحر البقر