المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2024

حكيم * ٤٠ سنة

 بينما كانت الذكريات تنهمر أمام عينيه كالمطر في ليلة باردة، وجد نفسه غارقًا في تفاصيل وجهها، الفتاة التي أحبها بجنون في طفولته، وظلت روحها تسكن قلبه حتى مراهقته. لم تكن مجرد فتاة نحيلة الجسد، كانت قلبًا يتسع للعالم كله، قلب أم قادرة على احتواء كل أطفال الدنيا، ورجالها أيضًا. مرّت اللحظات أمامه وكأنها مشاهد من فيلم سينمائي قديم، متآكل الأطراف، لكنه محفور في أعماق الذاكرة. تذكر ما كان ينبغي له أن ينسى، تذكر خطواتهما وهما يسيران معًا بين الأشجار في طريقهما إلى المدرسة. يدها الصغيرة في يده، وقلبه يخفق بجنون، ليس فقط بسبب الحب الذي اجتاحه، بل بسبب الخوف الذي سيطر عليه من أن يراهم أحد من أهل قريتهم التي ابتلعتها الفاقة. كان يشعر أن يديه تلامس يديها، مشدودتين بين الخوف والحب، وكأن الزمن توقف لهما فقط، وكأن اللحظة كانت مهددة بالزوال في أي لحظة. الآن، مرت تلك اللحظات، وهو واقف على حافة الذاكرة يتأمل أين صارت هي وأين صار هو. بينهم الآن محيطات، قارات، بلاد وحدود. هي في مكان غارق في الجليد والسقيع، وهو تحت دفء الربيع وأشعة الشمس التي تلمس بشرته بلطف. ومع ذلك، الأسئلة لم تهدأ في رأسه: كيف حالها...

اول مرة اتقابلنا

هل تذكرين أول مرة التقينا؟ تلك اللحظة التي رسمت ملامحك في قلبي وكأنها وُلدت لتبقى خالدة فيه للأبد. كانت البداية، والبدايات يا حبيبتي دائمًا ما تحمل سحرًا لا يمحوه الزمن، لحظات تملأ القلب بالدهشة، وتترك في الروح أثرًا لا يزول. ما زلت أستعيد تفاصيل تلك اللحظة بوضوح؛ نظرة عينيك، أنفاسك الهادئة، والرهبة الجميلة التي أحاطت بنا ونحن نكتشف بعضنا لأول مرة. كان ذلك في شهر يناير، وكنت حينها متأكدًا أنني وقعت في حبك. أتذكرين حين سألتيني بدهشة: "إنت شايف الجو حر كده؟"، وكنت أبتسم، متصببًا عرقًا رغم برد طوبة، وأجبتك بصدق: "آه، الجو حر." ضحكتي مستغربة وقلتي: "إحنا في طوبة، إزاي حر؟" ما كنتِ تعرفين وقتها أن الحر لم يكن في الجو، بل كان ينبع من قلبي، الذي اشتعل للمرة الأولى بحبك، وكأنك كنتِ الدفء الوحيد وسط برد الشتاء القاسي. مرت الأيام، وكبر حبنا مع كل لحظة، صارت ملامحنا مألوفة، وضحكاتنا جزءًا من تفاصيل يومنا. لكن هناك شيئًا في تلك اللحظات الأولى لا يمكن تكراره. أول لمسة من يدك، أول ضحكة صادقة منك، وأول "أحبك" قلتِها بخجل وصدق... كلها محفورة في ذاكرتي، لحظات فري...

ظل رجل *

 مرت الأعوام كحمل ثقيل ينوء به الظهر، ويمتد به الزمن ليخلف وراءه من فقدنا ومن سقط منا. وكأنما كل سنة حملٌ جديد، وكل ذكرى جرح غائر لا يندمل. تمر الصور أمام عينيك كخيوط من ضوء، شريط سحري يعيدك إلى طفولتك وصباك وشبابك، حيث الأصدقاء الذين مضوا بلا أثر، والعشيقات اللاتي طواهن النسيان. تلك الحبيبة التي بقيت في طيّ الأسرار، لم يعرف عنها أحد، ولم تبح لها بسرك الدفين. كانت حلماً يطوف بخيالك، ظلًّا بعيدًا لم تستطع الاقتراب منه. ثم تتبدى أمامك صورة تلك الفتاة البريئة التي أعلنت لك حبها بكل صدق، وأنت لم ترد لها إلا الخذلان. أكنت عاجزًا عن حبها؟ أم أحببت حبها لك دون أن تبادلها المشاعر؟ في النهاية، كنت أنت من رحل وتركها وحيدة. وتستمر الذكريات في التدفق، تعيدك إلى رفاقك، إلى مصائبكم المشتركة، إلى رحلاتكم التائهة بلا هدف . تذكرك بتلك الساعات التي كنت تنتظر فيها القطار، الوقت الذي كان يمر ببطء قاتل، وكأنما الحياة قد توقفت. تستمر الذكريات في الجريان، تعود بك إلى صديقك ومصائبكما سويا، إلى تلك الرحلات التي لم يكن لها هدف، تلك اللحظات التي كنت تنتظر فيها القطار وكأن الوقت قد توقف. تستيقظ مبكرًا، تصلي ا...

الفرق في الوحدة الأولية لبناء المجتمع بين الشرق والغرب

 المجتمع المسلم مبني من جذوره على فكرة إن الأسرة هي لبنة البناء الأساسية. الأسرة في المجتمع الإسلامي مش مجرد مجموعة أفراد بيعيشوا تحت سقف واحد، لكن هي كيان مترابط ومتداخل بيجمعهم الإيمان، الروابط العاطفية، والالتزامات المشتركة. كل فرد في الأسرة ليه دور محدد، والكل بيشتغل لصالح المجموعة. من الطفولة، الأطفال بيتعلموا القيم والمبادئ من خلال تفاعلهم اليومي مع أهلهم: الاحترام، العطاء، التضحية، وإعلاء المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. الأب والأم هما الركيزة، مش بس في توفير الاحتياجات المادية، لكن كمان في تقديم الدعم النفسي والروحي، وفي غرس الأخلاق والقيم اللي بتمثل جوهر الهوية الإسلامية. في السياق ده، العلاقات الأسرية بتعتبر نوع من العبادة، والالتزام تجاه الأسرة بيعتبر واجب ديني وأخلاقي. القيم دي بتتغلغل في كل نواحي الحياة اليومية، وبتتكرر في المناسبات الاجتماعية، الدينية، وحتى في قوانين الزواج والطلاق اللي بتحكم المجتمع. النتيجة إن المجتمع بيكون مترابط، محكم، وقادر إنه يواجه التحديات من خلال التضامن والتكافل الاجتماعي. في المقابل، المجتمع الغربي الأوروبي بيقوم على مفهوم مختلف تمامًا: ...

غزة هاشم ... ومصر

 حرب غزة، زي كل مرة، بتسيب أثر عميق في مصر، مش بس على مستوى الأخبار والتحليلات، لكن في تفاصيل حياتنا اليومية كمان. دايمًا اللي بيحصل هناك بيدخل بيوتنا وأفكارنا، وبيرسم خطوط جديدة في الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. خلينا ندخل في التفاصيل ونفهم التأثيرات بعمق أكبر.  سياسيا: مصر بتلاقي نفسها في وضع معقد مع كل جولة صراع في غزة. من ناحية، لازم توازن بين دورها كوسيط إقليمي ومهمتها في حفظ استقرار حدودها وسلامة أراضيها. الضغوط الدولية بتيجي من كل ناحية، وكل طرف عنده مطالب ومصالح. مصر بتسعى دايمًا لوقف إطلاق النار، لكنها كمان بتحاول تستخدم قوتها الدبلوماسية لتعزيز دورها كقوة إقليمية مستقلة. الحرب بتخلق نوع من الإحراج السياسي لمصر، لأنها بتفتح الباب للأسئلة عن علاقتها بإسرائيل وعن التزامها تجاه القضية الفلسطينية. اجتماعيًا: الحرب بتثير جدل كبير بين المصريين. في حالة من التضامن الشعبي الكبير مع غزة، ممكن تشوفها في المظاهرات، أو حتى في المناقشات اليومية بين الناس. لكن كمان في جدل داخلي حوالين دور مصر الحقيقي في دعم القضية الفلسطينية. البعض شايف إننا لازم ناخد موقف أقوى، والبعض ت...