الهزيمة الوحيدة التي يتلقاها الغياب

هناك حقيقة غريبة في الحياة، لا يثبتها العلم، ولا تنفيها الفلسفة، لكنها تتكرر في حكايات البشر حتى تبدو وكأنها قانون خفي يسير بصمت بين الناس.


أننا لا نعرف أبدًا متى نعيش اللقاء الأخير.


وربما في هذا تكمن رحمة الزمن، وقسوته معًا.


فلو أخبرك القدر أن هذه المصافحة هي الأخيرة، لأمسكت باليد قليلًا. ولو همس لك أن هذه الضحكة لن تتكرر، لأصغيت إليها بقلبك كله. ولو عرفت أن تلك النظرة ستكون آخر ما تحتفظ به من وجهٍ أحببته، لما انشغلت عنها بشيء.


لكن الحياة لا تفعل ذ


لك.


إنها تمنحنا النهايات متخفية في هيئة أيام عادية، وتتركنا نغادر الأماكن والأشخاص ونحن نظن أننا سنعود، ثم نكتشف بعد سنوات أن الوداع كان قد حدث بالفعل، دون أن يرفع أحد يده مودعًا.


ولهذا يظل الإنسان يبحث عن تفسير.


مرة يسميه قدرًا، ومرة صدفة، ومرة حكمة لا يدركها إلا بعد زمن. وهناك من يؤمن بأن الأرواح لا تلتقي عبثًا، وأن لكل لقاء رسالة، فإذا اكتمل ما جاءت الأرواح لتتعلمه من بعضها، مضى كل منها في طريقه، لا خصامًا ولا نسيانًا، وإنما لأن الرحلة لا تتوقف عند محطة واحدة.


ولست أدري إن كان الكون هو من يفرق بين الأرواح، أم أن الأرواح نفسها، بعد أن تنضج، تصبح عاجزة عن العودة إلى النسخة القديمة من الحياة.


فليس الأشخاص وحدهم من يرحلون...


أحيانًا يرحل الإنسان الذي كنا عليه ونحن معهم.


ذلك الذي كان يضحك بسهولة، ويصدق بسرعة، ويؤجل الكلام الجميل إلى الغد، معتقدًا أن الغد وعد مضمون.


ثم يمضي الغد... ولا يأتي.


لهذا لا تكون المسافات هي التي تصنع الغياب.


كم من شخص يفصل بينك وبينه شارع واحد، لكنه أصبح أبعد من مدينة كاملة. وكم من إنسان غاب منذ سنوات، وما زال يسكن تفاصيل يومك، كأنه لم يغادر قط.


لأن الغياب لا يُقاس بالمكان، بل بالأثر.


وهنا تكمن الحكاية كلها.


هناك أشخاص لم يأتوا ليقيموا في حياتك، بل ليغيروا اتجاهها.


يدخلونها كما تدخل قطرة مطر إلى أرض عطشى؛ لا تمكث طويلًا، لكنها تترك الأرض غير التي كانت عليها.


يعلمك أحدهم كيف تحب.


ويعلمك آخر كيف تنجو.


ويوقظ فيك ثالث إنسانًا لم تكن تعرف أنه يسكنك.


ثم يختفون.


لا لأنهم لم يعودوا مهمين، بل لأن وجودهم أدى الغاية التي جاء من أجلها.


لكنهم لا يأخذون كل شيء معهم.


يتركون طريقة جديدة للنظر إلى العالم، وكلمة كلما ضاقت بك الحياة عادت إلى ذهنك، وخوفًا جعلك أكثر حكمة، أو جرحًا جعلك أكثر رحمة، أو شجاعة لم تكن تعرف أنك تملكها.


يرحلون بأجسادهم...


ويبقون في اختياراتك، وفي نظرتك للناس، وفي الطريقة التي تحب بها، وتسامح بها، وتحزن بها.


ولهذا لا تُقاس قيمة الإنسان بطول بقائه في حياتنا، بل بعمق ما يتركه في وعينا.


فبعض البشر يعبرون العمر كله دون أن يغيروا فينا شيئًا، وبعضهم يمكث أيامًا قليلة، ثم يترك أثرًا يعجز الزمن عن محوه.


ولهذا نظل نسأل سنوات طويلة:


لماذا رحلوا؟


مع أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:


ماذا تركوا فينا قبل أن يرحلوا؟


لأن القيمة الحقيقية لأي لقاء لا تُقاس بطول مدته، وإنما بعمق التحول الذي أحدثه في روحك. وربما لهذا لا ينتصر الغياب على كل شيء؛ فما يزرعه إنسان في وعي إنسان آخر، يواصل الحياة حتى بعد أن تنقطع الطرق بينهما.


فالناس ليسوا دائمًا رفقاء سفر.


بعضهم فصول.


وبعضهم مرايا.


وبعضهم جسور نعبر فوقها إلى أنفسنا.


وبعضهم يأتي فقط ليوقظ فينا شيئًا كان نائمًا، ثم ينسحب من المشهد بهدوء، كأنه لم يكن.


لكنه كان.


بدليل أن جزءًا منك ما زال يفكر بطريقته، ويبتسم لذكره، ويرى العالم بعينين ساهم هو في تشكيلهما.


وربما لهذا لا تكون الخسارة الحقيقية أن يرحل الأشخاص، بل أن يرحلوا دون أن يتركوا فينا أثرًا.


أما أولئك الذين غيرونا، فقد انتصروا على الغياب منذ اللحظة التي أصبح فيها شيء منهم يعيش فينا.


وهكذا، فإن بعض البشر لا يطيلون الإقامة في حياتنا، لكنهم يطيلون الإقامة في وعينا.


وفي عالمٍ يربح فيه الزمن كل شيء تقريبًا...


يبقى هذا الأثر، هو الهزيمة الوحيدة التي يتلقاها الغياب.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربي الضال

رحلة قصيرة ....

هذا القلق ليس له ما يبرره