رواية ٤٠ سنة
الوقت يمضي وما يبدأ بحماس غالبًا ما ينتهي بفراق، وهكذا هو حالنا. تبدأ الحكايات وتتقاطع الأرواح، فنلتقي بمن نحب في أوقات غير مناسبة، لنغرس الأمل في تربة الألم، وتبدأ سلسلة لا تنتهي من العثرات والخيبات.
ظل يفكر طويلاً بعد أن أرسل إليها خطابه الأخير، ذلك الذي لم يكن سوى وداع مؤلم. قال لها: "أحبك، ومغرم بكل لحظة قضيتها برفقتك، حتى تلك اللحظات التي بدت كخيبات." كانت ذكرياته معها كأوراق الشجر المتساقطة، لا يمكن إحياؤها، لكنها، كما يعلم، تظل حية في أعماق روحه، وقد أسلمته أحوال الدنيا لمصيرها المظلم. فالقدر كان له رأي آخر فيما آلت إليه الأمور.
كان يدرك تمامًا أنها تحمل مشاعر متضاربة، تحاكي الأحلام التي تمزقت أشلاء تحت وطأة الواقع. أصبح الحب بين يديهما كجثة هامدة، تفتقر إلى نبض الحياة، فلا شيء ينقذها من براثن الفراق. الظروف والزمن كانا كفيلين بسحق كل شيء جميل بينهما.
"لم يكن بإيدينا..."
نعم، لا بد أن تنتهي هذه المأساة. لم نعد نتحمل المزيد من الألم، ومن المعاناة التي أثقلت كاهلنا.
"يا الله، أنت وحدك من يعرف ما يجول في صدري. فباسمك الأعظم، دبّر لي أمري، واهدني إلى الطريق القويم."
كانت أمانيه تتركز في كيفية التخلص من هذا العالم الذي يثقل روحه. لكنه كان يعلم أن هناك من تنتظره، ليست الحبيبة، ولا الصديقة، بل أمّ قلبها معلق به، امرأة تتخبط في ظلام الفقد، لا أمل لها في الحياة بدونه. وأخت صغيرة، وقبر أبٍ، تلك هي ميراثه في الحياة. إن لحقت به، فحتماً ستُسلب كل تلك الأرواح من حوله، كما تُسلب الأحلام من قلوب العاشقين، بماضيه المليء بالسيئات ومطاردة الأمن التي لا تنتهي. لم يعد يرى مخرجًا سوى الهرب، لكنه كان ضائعًا، لا يعرف كيف يهرب. قرر أن يناجي ربه، عله ينظر إليه برحمة.
ثم غفا في نوم عميق، واستفاق عند الظهيرة. ارتدى ملابسه وتوجه إلى موقف القاهرة، حيث ركب سيارة بيجو 7 راكب، وانطلقت به السيارة في رحلة إلى المجهول، إلى حيث لا يعلم، في قلبه شعور ثقيل كأن العالم يزفّه إلى مصيره المظلم.
تعليقات
إرسال تعليق