علاقة عبر شاشة العنكبوت
في النهاية، كان عليه أن يواجه الحقيقة العارية التي ظل يهرب منها لسنوات. تلك الشاشة، التي كانت نافذته الوحيدة إلى عالمها، تحولت إلى سجنٍ زجاجي بارد. نعم، أعطته تلك البلورة كل شيء — وجهها، صوتها، ضحكتها التي كانت تعزف على أوتار قلبه، لكن في نفس الوقت كانت هي الحاجز الذي يحرمه من كل ما هو أعمق، من تلك اللحظة التي تذوب فيها المسافات، ويصبح فيها الواقع أكبر من مجرد صور وأصوات.
كان يحبها حبًا لا يعرف حدودًا. حبًا لا يعرف منطقًا ولا ينتظر تفسيرًا. لكنها، رغم كل ما بينهما، كانت دائمًا بعيدة، بعيدة جدًا لدرجة أن المسافات بينهما لم تكن تُقاس بالكيلومترات أو الأميال، بل كانت تُقاس باللحظات الضائعة، بالليالي التي حلم فيها بأن يحتضنها ولم يستطع، بالقبلات التي تكسرت على حاجز الشاشة الملعونة.
في كل مرة كانت تبتسم له، كان يشعر بأن روحه تحلق في السماء. كانت ابتسامتها كفيلة بأن تُشعل فيه الحياة من جديد، ولكن في نفس اللحظة، كان الواقع يصفعه بقسوة. كان يعرف أن تلك الابتسامة، مهما كانت مشرقة، لن تكون له يومًا. كانت كل محاولاته في مد يده عبر الشاشة لتحتضنها، مثل محاولات الطفل للوصول إلى قمر بعيد. قمر يراه كل ليلة، يضيء سماءه، لكنه بعيدٌ جدًا ليكون في متناوله.
في لحظات الضعف التي كان يغرق فيها بعد مكالماتهما، كان يتساءل: كيف يمكن لحبٍ أن يكون قويًا هكذا، وبهذا القدر من الهشاشة في آن واحد؟ كيف يمكن لشيء أن يكون بهذه الجمال، وبهذا القدر من الألم؟ لقد كانت الشاشات هي الساحر الذي جمعهما في عالم غير مرئي، ولكنه أيضًا كان القاتل الصامت الذي يسلب منهما كل فرصة للحياة الحقيقية.
أربع سنوات من هذا الحب المستحيل. أربع سنوات عاشها وهو يأمل، ينتظر معجزة، لحظة قد تكسر فيها الأقدار تلك الشاشة اللعينة وتسمح له بأن يحتضنها ولو مرة واحدة. ولكنه كان يعلم في أعماق نفسه أن هذه اللحظة لن تأتي أبدًا. كان يعلم أنه محكوم بحبٍ لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة، حب مكتوب عليه أن يظل أسير الأسلاك والشاشات.
وفي لحظة مواجهة مريرة مع ذاته، أدرك أن هذا الحب الذي كان يمنحه القوة، كان في نفس الوقت يلتهم روحه ببطء. كان مثل زهرة جميلة، تشع بالجمال، لكنها تمتص الحياة منه قطرة بعد قطرة. أدرك أنه مهما استمر في حبها، مهما تمنى أن تكون له، فإنهما سيظلان دائمًا محاصرين بين واقع لا يرحم، وشاشة لا تغفر.
لكنه لم يكن قادرًا على تركها. كيف يترك من كانت كل شيء في حياته؟ كيف يتخلى عن المرأة التي جعلته يشعر أنه يعيش حتى وهو ميت؟ لكن الألم الذي كان يشعر به في كل مرة لم يكن مجرد ألم حب عادي، كان ألمًا يشبه الاحتضار البطيء. كلما اقترب منها عبر الشاشات، كلما ابتعدت عنه أكثر في الحقيقة.
وفي النهاية، أدرك أنه لا خيار أمامه سوى أن يحرر نفسه. ليس لأن الحب قد انتهى، ولكن لأنه أصبح عبئًا أثقل من أن يتحمله. كان عليه أن يتركها، ليس لأنه لم يعد يحبها، بل لأن حبه لها كان يستهلك كل ما تبقى له من
طاقة للحياة.

تعليقات
إرسال تعليق