الشرق الأوسط 2026: مصر في قلب العاصفة.. بين مطرقة الأزمات وسندان القيادةمقدمة
زلزال يعيد تشكيل المنطقةتجد الدولة المصرية نفسها في مطلع عام 2026 أمام مشهد جيوسياسي هو الأكثر تعقيداً وخطورة منذ عقود. لم يعد التحدي مجرد أزمات حدودية عابرة أو ملفات خارجية منفصلة، بل نحن أمام حالة "تراكب استراتيجي" للأزمات، حيث تلتقي النيران من جبهات متعددة: من طهران التي تغلي بالاحتجاجات، مروراً بالسودان الممزق، وصولاً إلى غزة والضفة اللتين تواجهان محاولات التصفية النهائية. بالنسبة للقاهرة، لم تعد الرفاهية الدبلوماسية خياراً مطروحاً؛ بل صار "التحوط النشط" والردع الاستراتيجي هما لغة البقاء في إقليم يقف على حافة إعادة تشكيل شاملة.أولاً: خريطة القوى الإقليمية.. قراءة من منظور الأمن القومي المصريتتعامل مصر مع محيطها الإقليمي كلوحة أمن قومي متكاملة، حيث تتقاطع مصالح القوى الفاعلة مع الخطوط الحمراء المصرية في نقاط حرجة:الرؤية المصرية والتعامل الاستراتيجيالموقف الاستراتيجي (يناير 2026)القوة الإقليميةتهديد وجودي: ترفض القاهرة أي مساس بالسيادة أو محاولة لتصدير الأزمة على حساب حدودها.محاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر تفريغ غزة ديمغرافياً ودفع الأزمة نحو سيناء.إسرائيلفرصة وتهديد: ضعف نفوذ طهران يقلل الضغط، لكنه يدفع الحوثيين لعمليات غير محسوبة تهدد قناة السويس.انكفاء داخلي بسبب الاحتجاجات العارمة مع ارتباك في مركز القرار وفقدان السيطرة على الأذرع.إيرانحليف استراتيجي: تنسيق رفيع المستوى لضبط أمن البحر الأحمر ومنع السقوط الكامل للدولة السودانية.تمسك بسياسة "صفر مشاكل" لحماية رؤية 2030، مع تباين تكتيكي مع الإمارات في بعض الملفات.
السعوديةشريك بتباينات: توافق استثماري كبير، يقابله خلاف مكتوم حول إدارة الملف السوداني وتأثيره على أمن مصر الجنوبي.طموحات جيوسياسية واسعة في موانئ القرن الأفريقي ودعم أطراف فاعلة في السودان.
الإمارات تنسيق حذر: ترحيب مصري بالتعاون الاقتصادي لتقليل الاستقطاب الإقليمي وتبريد الملفات الساخنة.تبني دور "الوسيط المتزن" لتعزيز التقارب مع مصر وتثبيت مصالحها في غزة وليبيا.
تركياقناة دبلوماسية: تعاون تقني في ملفات التهدئة مع مراقبة مدى توافقها مع الرؤية المصرية للإدارة الفلسطينية.استمرار دور "المسهل" والممول لعمليات الإغاثة والوساطة في ملف الرهائن.قطرثانياً: الربط الاستراتيجي.. السودان وغزة والبحر الأحمرمن وجهة نظر مصرية، فإن هذه الملفات ليست منفصلة، بل هي خيوط في نسيج واحد يهدد بخنق الدولة المصرية استراتيجياً:العقدة السودانية: السودان بالنسبة لمصر هو "الأمن القومي في أقصى تجلياته". انهيار الدولة هناك يعني تهديداً مباشراً لمياه النيل، وتدفق موجات بشرية هائلة، وتحول الحدود الجنوبية إلى جرح أمني نازف. تخشى القاهرة من تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي يحوله إلى "ليبيا ثانية".1.خنق الملاحة في البحر الأحمر: اضطراب مركز القرار الإيراني انعكس فوراً على الممر الملاحي. بالنسبة لمصر، البحر الأحمر ليس مجرد خط تجاري، بل هو شريان حياة سيادي (قناة السويس). أي تهديد للملاحة يرفع مستوى التحدي من إقليمي إلى دولي، ويضع الاقتصاد المصري في قلب العاصفة.2.المخطط التهجيري في غزة: الضغط الإسرائيلي المكثف يهدف إلى خلق واقع ديمغرافي جديد. مصر تدرك أن الصمود في هذا الملف هو دفاع عن فكرة الدولة والسيادة، وليس مجرد تضامن سياسي.3.ثالثاً: المسارات المصرية.. كيف تدير القاهرة تقاطع النيران؟تتحرك الدولة المصرية وفق استراتيجية ثلاثية الأبعاد تهدف إلى تحويل التهديدات إلى فرص لتثبيت النفوذ:المسار السيادي (الردع): تفعيل "الخطوط الحمراء" عسكرياً وأمنياً. السيادة على الحدود الشرقية والجنوبية غير قابلة للتفاوض، مع إمكانية القيام بتحركات استباقية محدودة في العمق السوداني لمنع وصول الفوضى إلى الحدود المصرية.•المسار الاقتصادي-الدولي (المساومة الاستراتيجية): توظيف ورقة "الاستقرار الإقليمي". الرسالة المصرية للعالم واضحة: اهتزاز مصر يعني موجات لجوء واضطراب ملاحة عالمية لا يمكن للغرب أو الخليج تحمل تبعاتها، مما يستوجب شراكات اقتصادية ودعماً سياسياً فورياً.•المسار القيادي (الوساطة): محاولة رأب الصدع بين الحلفاء (السعودية والإمارات) فيما يخص الملف السوداني، وجر الملف من خانة التنافس إلى طاولة الإدارة المشتركة التي تضمن بقاء الدولة السودانية وتغلق ثغرات النفوذ العشوائي.•الخاتمة: لحظة الحقيقةيمثل عام 2026 "الاختبار الكبير" لقدرة مصر على استعادة دور القائد الإقليمي الذي يصيغ الأحداث ولا يكتفي برد الفعل. إن نجاح القاهرة في صد محاولات التهجير، وتثبيت أركان الدولة السودانية، وتأمين شريان قناة السويس، سيعيد تعريف مركز الثقل في المنطقة لسنوات قادمة.التقدير الختامي: الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم الخرائط بمعادلات القوة لا بالحدود الجغرافية فقط. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن على صانع القرار المصري: هل تختار مصر لحظة القيادة التاريخية أم تكتفي بلحظة الدفاع عن الحدود؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد وجه المنطقة في العقد القادم.
تعليقات
إرسال تعليق