العربي الضال


في عام ٢٠١١، تعرضت مصر لثورتها انتفاضتها او تم خيانتها سمها ما شئت. تلك الأزمة  أطلقت تفاعلا متسلسلا دفع- وما زال يدفع- مصر على منحدر هبوط مستمر حتى يومنا هذا.

 ولا يمثل الوضع الحالي في مصر مجرد تهديد للناس أو المحرومين أو الطبقات الاجتماعية أو حتى الجيش فحسب، بل أن وضع مصر الحالي يمثل خطرا على وجودها  والامة العربية كما نعرفها.

إن كان تخميني سليمًا ولم نكن نواجه مجرد تغيير دوري آخر سيتم التغلب عليه قريبا، يكون السؤال أمام الراديكاليين المطالبين بتغيير جذري كالتالي: هل علينا أن نرحب بأزمة نخبة الجيش الحاكمة هذه باعتبارها فرصة لإحلال نظام أفضل محلها؟ أم علينا أن نقلق منها ونشرع في حملة لإحداث الاستقرار في بنية الدولة كلها ؟

بالنسبة لي، الإجابة واضحة. ليس من المرجح أن تؤدي أزمة مصر الحالية إلى ميلاد بديل أفضل للنظام الحالي، بل الاحتمال الأكبر هو أن تؤدي لإطلاق قوى رجعية متطرفة خطيرة قادرة على التسبب في حمام دم بشري وتقضي في الوقت نفسه على الأمل في أي خطوات تقدمية للأجيال القادمة.

بسبب وجهة نظري هذه، اتهمني البعض -حسني النية علي ما يبدو -بأنني "انهزامي" أحاول انقاذ أو "التعريض" لنظام قمعي عسكري فاشي الي اخر تلك العبارات المحفوظة ولا يستحق الدفاع عنه. أعترف بأن هذا النقد مؤلم. وهو مؤلم لأن به قدرًا من الحقيقة. 

أتفق مع الرأي القائل بأن مصر تمر  بعجز ديمقراطي ضخم ، وهذا العجز- بالإضافة للإنكار الذي تتسم به البنية المختلة للحكومة ونخبة الدولة قد وضع الشعب المصري على طريق الركود وبوادر انهيار اقتصادي . واعترف أيضًا قبل "ثورة يناير"  اشتركت في حملة قائمة على أجندة تفترض أن الديمقراطية  كانت- ولا تزال - مهزومة بشكل واضح .

وأعترف أنني أفضل أن أدعو لأجندة راديكالية منطلقها أن يتم إحلال نظام مختلف محل النظام الحالي .

لكن هدفي هنا هو توضيح وجهة نظري بخصوص النظام الحالي - ورغم كل أمراضه وعجزه احيانا - يجب أن نتجنب انهياره مهما كانت التكلفة .

 وهذا الاعتراف الغرض منه إقناع المزايدين  بأن علينا مهمة متناقضة : أن نوقف السقوط الحر للنخبة الحاكمة حتى نشتري الوقت الذي نحتاجه لتشكيل بديلها. 

لماذا أنا دولجي ؟

عندما كنت شاباً انخرطت في نشاطات كثيرة وتعرفت علي جماعة الاخوان والسلفيين والاشتراكيين وغيرهم واشتركت مع الاخوان وكنت وكيلا لأحد مرشحيهم في عام ٢٠٠٥ وبعد فوزه في انتخابات صعبة وسباق مرير من اجل كرسي مجلس الشعب آنذاك أقمنا بعد ذلك حفلا للاحتفال بذلك الإنجاز العظيم وكان دوري ان ألقي كلمة للاحتفال بفوز نائب اجتهدنا وسهرنا من اجل تلك اللحظة كثيرا تعرضنا لمخاطر عديدة لكن الله كلل جهودنا بالنجاح ، وذهبت الي المنصة لألقي كلمتي وقد افتتحتها بالحمد لله والثناء علي نعمه وأننا اليوم واليوم فقط نستطيع ان نقول اننا نهدف لاسقاط ذلك الرجل الجالس في قصر القبة وان اليوم ليس للاحتفال بل ان اليوم فقط بالكاد نبدء من اجل نهضة تلك الأمة العظيمة التي تلامس أحلامها عنان السماء طبعا كنت وكان مثلي الكثير من الاخوان- وقياداتهم حتي- نظن ان باسقاط مبارك فإننا نصعد الى سدة الحكم ونطبق الشريعة وننطلق في حياة رغيدة جميلة مليئة بالاحلام الوردية وننطلق بعد ذلك لتحرير الأقصى المبارك -يا لها من ايام كانت الأحلام فيها بريئة- لكن بعد كل هذا لم أسعى يوما ولم أفكر في إسقاط مؤسسات الدولة ولم اتخيل أبدا ان اسقاطها كان او سوف يكون حل .

بالنظر لهذا كله ، قد يندهش القارئ حين يسمعني أصف نفسي بالدولجي . لكن في الحقيقة الدولة هي  المسئولة  عن تشكيل نظرتي للعالم الذي نعيش فيه منذ طفولتي وحتى اليوم. لا أتطوع كثيرا بالحديث عن هذا في مجالسي الخاصة او حتي في وسائل التواصل الاجتماعي  لأن مجرد ذكر اسم انك دولجي قد يجذب بعض المعاتيه وانا في غنى عن ذلك . لكنني لم أنكره أبدا أيضا. وبعد سنوات قليلة من "ثورة يناير "  ، تسللت إليَّ رغبة في الحديث عن تأثير حسن البنّا  على تفكيري. فرغم أنني دولجي  ولا اعتذر ولا اخجل من ذلك ، أعتقد أنه من الضروري مقاومة التفكير الاخواني بحماس أيضا و بطرق متعددة. بعبارة أخرى، أن أكون اخواني  ضال . لماذا أذكر حسن البنّا  الآن رغم أنى انفصلت عنهم منذ زمن طويل في عام ٢٠٠٧، ورغم أن الأفكار  التي أتبناها اليوم من المستحيل أن توصف بالاخوانية ؟ الإجابة بسيطة: حسن البنّا كان رجل اصلاحي وهو المنهج الذي أفكر وفقا إليه  و يوجهه ذهن متأثر بحسن البنّا . 

- اعتقدت دوماً أنه يمكن لأي ناشط مصر  أن يتحدى التوجه السائد في  مصر بطريقتين. الطريقة الأولى هي النقد الملازم، أي قبول المسلمات السائدة ثم كشف تناقضاتها الداخلية،أي أن تقول: "لن أحاول دحض افتراضاتكم لكن هكذا يتضح أن نتائجكم لا تترتب عليها منطقيا"  حسنا تلك كانت بالفعل طريقة حسن البنّا عندما أسس جماعته في ظروف صعبة وسط وجود احتلال بريطاني وظروف سياسية غير مرحبة به او بجماعته   فقد قبل كل ظروف مرحلته  ليوضح أن النظام وقتها  نظام متهاوي لا يمثل المصريين . المسار الثاني الذي يمكن للمنظر الراديكالي أن يسلكه هو بالطبع بناء نظريات بديلة لتلك السائدة أملا في أن يتم أخذها على مأخذ الجد.

كانت وجهة نظري دائما في هذه المعضلة أن القوى القائمة لا تربكها أبدا النظريات التي تنبع من افتراضات مختلفة عن افتراضاتها. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يهز استقرار الحكام الكلاسيكيين الجدد المهيمنين ويتحداهم بشكل أصيل هو إظهار التناقض الداخلي في نماذجهم نفسها. ولهذا السبب، اخترت منذ البداية أن أغوص في احشاء الدولة  الكلاسيكية الجديدة وألا أبدد أي طاقة في تطوير نماذج اخوانية او ثورية بديلة للدولة او النظام . واعترف أن أسبابي في ذلك كانت اخوانية تماما.

حين  أفكر في  التعليق على العالم الذي نعيش فيه، لم يكن لدي بديل سوى العودة للتقليد الاخواني  الذي شكل تفكيري منذ ان كنت صغيرا على آثار الانتصارات الاسلامية في الحقب التاريخية المختلفة والصبر حتى التمكين . كيف على سبيل المثال كان حال المسلمين في مكة وكيف اصبح حالهم عندما هاجر الرسول الي المدينة وكيف كان هذا الانتقال في تغيير حركة التاريخ، وكيف توسع الأمويين والعباسيين ، وكيف استعاد صلاح الدين الأيوبي القدس وغيرها من الأمثلة التاريخية .

التقيت لأول مرة مع أفكار حسن البنّا  مبكرا في حياتي نتيجة الأوقات  العصيبة التي نشأت فيها حيث كانت مصر من وجهة نظري  تعيش كابوس الدكتاتورية وعدم وجود أمل لتداول الحكم او العودة للأصول الاسلامية والحكم الرشيد . ما جذبني إلى حسن البنّا  كان موهبته الفذة في تكوين الجماعة ، ورسائله البسيطة المعبرة ، بل في الواقع ان أفكاره الإصلاحية و التي هي متضافرة مع فكرة  الخلاص والنقاء الأصيل. 

خلق حسن البنّا جماعة يسكنها المسلمين الصالحين الذين سوف يحرروا الأمة والمسجد الأقصى  وكانت جماعته مبهرة لأي شخص ، أعضائها هم الأطباء والمهندسون والمعلمين ونخبة من قريتنا والقرى المجاورة  

هذا المنظور الاصلاحي - 

من أهم الأسباب التي جعلت الآراء السائدة تفشل في التعامل مع الواقع المعاصر هو أنها لم تفهم أبدا كيف يتم انتاج أفكار صالحة لبيئة مصر ، النمو والبطالة، والثروة والفقر، بل والخير والشر، لا توجد نخبة تنتج منظومة قيم حاكمة او أفكار تنهض بالمجتمع . ناهيك عن ان تفهم تلك النخبة مصر العميقة البعيدة عن شاشات الاعلام، عن صفحات الجرائد مصر البعيدة التي تسكن في بيوت ضيقة متلاصقة في حواري معقدة .

نحتاج منظومة اصلاحية متدرجة وإعادة تنظيم للكثير من عاداتنا وأسلوب حياتنا وتعليمنا وقيمنا الاخلاقية وطرق تكوين الثروة ، تكوين الاسرة ، التعامل في الحياة العامة في وسائل المواصلات في العمل نحتاج لتعلم كيف نعمل من جديد، نحتاج حتي لتعلم طرق اكل صحية  نحتاج ان نتعلم من جديد كل شئ كن دون ثورة .

من الأشياء التي تلفت نظري في مجتمعنا ما هي الأشياء المذمومة مجتمعيا؟ هل التهرب من الضرائب شئ سلبي؟  ويوصم صاحبه بشئ علي سبيل المثال لا بل اصبح  مثل هذا مثار تفاخر للبعض وقيس علي ذلك 

نحتاج الإصلاح بشدة السياسي والاقتصادي والاهم الإصلاح المجتمعي .

الخيال الأدبي  كاد ان يصبح حقيقي

في رواية كتبت في  عام ٢٠١١  اسمها "باب الخروج " لعز الدين شكري فشير تحدثت الرواية ، في الواقع كانت عبارة عن تنبوءات تحقق بعضها ، كتب عن الصراع السياسي عن الأحداث الدرامية عن تلك المذابح البشعة عن صراع الاخوان والسلفيين عن ضعف المدنين وانتهازية البعض منهم كانت رواية ممتعة في تنبؤاتها سوداوية في سردها محطمة في نهايتها البائسة  لكن دائما علينا تذكر ان الحياة ليست رواية يتحكم فيها طرف واحد او مؤلف يحرك الشخصيات حسب ميوله او حالته المزاجية .

كل فكرة او نظرية ثورية او اصلاحية  تتعامل مع التفاعلات  البشرية وغير البشرية على أنهما نفس الشيء وقابلين للتبادل،  او ان الروايات تشبه الحقيقة او ان النظريات هي الحقيقة او ان افكارنا هي الحق والصواب المطلق مصيرها الفشل ولن تكون بديل 

لو نجحت الثورة في تحويل الشعارات إلى شيء محسوس  من احزاب وتنظيمات حقيقية تعبر عن الناس ومنطلقة من أهدافهم لا من أهداف الكتاب والمنظرين ، ومن ثم تسويق تلك الأحزاب والأفكار، لما كنا رأينا المشهد الحالي  وما تمرد الناس علي مخرجات يناير واتهامها بالخواء. 

حين كتب حسن البنّا رسائله  أن الاسلام دين شامل وان كل شخص يؤخذ من كلامه ويترك الا المعصوم  ولا تكفير لأحد وايضاً ان استطاع المنظرون المسلمين التوفيق بين تلك الأفكار الكامنة في حمضنا النووي وبين الدولة الحديثة والوطنية   لأزلنا تناقضاً عميقاً في الشخصية المصرية والعربية عموما ...  ان الاسلام يخلق  طاقة عالمية النطاق تتفكك عبرها كل العلاقات والحدود وتنصب نفسها باعتبارها السياسة الوحيدة والحقيقة  الوحيدة والحد الوحيد والعلاقة الوحيدة" هذه الحقيقة تلقي الضوء على حقيقة أن الاسلام دين متجدد لا يخضع لأحد ولا يمكن  شراؤه  بمال ولا جعله  سلعة، لكنه يبقى دوما حاملا معه إرادة معادية للظلم والتهميش . . 

في الوقت الذي تمكن فيه الليبراليون الجدد من إيقاع البعض في شراكهم النظرية مجترين باستمرار أيدلوجية بلهاء لا تتناسب مع منظومتنا الفكرية والعقائدية والاجتماعية والقيمية .

نجد انه دائما وأبدا كان الحل لتلك البقعة من العالم هي القومية العربية ملتحمة مع الفكر  الاسلامي الرشيد غير المؤدلج وغير السياسي  

لماذا نحتاج الاسلام القيمي الاخلاقي الاجتماعي ؟ 

تفضل كل المدارس الليبرالية والعلمانية  تقريبا أن تدعي أن إسهامات الاسلام الحضارية والقيمية والاجتماعية  لم يعد لها دلالة تذكر اليوم وانه ان الاوان ان نتحول نحو علمانية ليبرالية صريحة. اسمحوا لي أن أختلف مع هذا بشدة. فبالاضافة إلى ان الاسلام  وضع يده على لُب وعمق الشخصية الشرقية ونمى بداخلها صفات إيجابية كثيرة وردعها في احيان اخرى عن الانحلال وحفظ وجود دولتنا ومنطقتنا في وجه محاولات عاتية لمحو هويتنا ، فقد منحنا  الاسلام  الأدوات التي يمكن أن نصبح بها محصنين ضد الدعاية السامة وسحق هويتنا و وجودنا . على سبيل المثال،  فكرة أن التقدم والرقي  مرتبط بالغرب  ثم تستولي علينا من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصاد والاحتلال والتي تعتمد في إعادة انتاجها على الوعي الزائف فقط تقريبا.

مشكلتنا الحقيقية في الوعي المزيف .

لماذا أنا ضال؟ 

لقد شرحت لماذا أدين لحسن البنّا إلى حد كبير بأي فهم قد يكون لدي للعالم الاجتماعي الذي نحيا فيه، والآن أريد أن أشرح لماذا أنا غاضب منه إلى حد بعيد. بعبارة أخرى، سأوضح لماذا اخترت أن أكون إخوانيا  ضالا غير متسق. ارتكب حسن البنا خطئين كبيرين، أحدهما بالإغفال والآخر بالارتكاب المباشر. ولا تزال هذه الأخطاء حتى يومنا هذا تعرقل فعالية الاخوان وخاصة في مصر. خطأ حسن البنّا الاول هو إقامة تنظيم حديدي يقوم علي السمع والطاعة فقط دون التفكر والتدبر لم يفكر في تكوين سياسي يعتمد علي الفكر والعصر الحديث انما اجترار ذكريات مرة عليها اكثر من الف عام لم تعد تلك الأفكار صالحة ليومنا هذا ولا تستطيع الصمود في وجه نقاش حديث ولا يمكن التغلب علي الآخرين الا بالتكفير والتخوين ، الخطأ الثاني من وجهة نظري اغفال القومية العربية وإغفال أهميتها في حشد الطاقات بل وصل الامر بخلفاؤه الي محاربتها، لا اعلم حقيقة موقف حسن البنّا من جامعة الدول العربية ولكني اعتقد انه لم يكون متحمس لها أو للفكرة العربية 

درس اردوغان 

  تابعت بشغف كبير وعميق تجربة السيد رجب الطيب اردوغان بعد عقد كامل من تلميعه وترويجه علي انه باعث نهضة الأمة ومحقق تمام استقلالها والذي سوف يستعيد دولة الخلافة تلك التي حلت اشكاليات عميقة في منظومة الأمن القومي والشرعية في الحكم . 

في الواقع لم أكن اهتم بتلك الترهات لأَنِّي اعلم انها اكبر من قدر وقدرة تركيا وايضاً لان مصر وطني الحبيب خاض تلك التجربة من قبل وتم ضربها بعنف من الجميع لذلك كنت اهتم بالتنظير لحزب اردوغان في الداخل كيفية دعوة الناخبين لانتخاب حزب اردوغان لماذا ينتخب المواطن التركي اردوغان وحزبه وتوصلت لنتيجة مدهشة ان التجربة الأردوغانية كانت مزيج فريد من اعلاء القومية التركية والتصالح مع الارث العثماني ومحاولة عصرية لاحياء دولة قوية ومزج الاقتصاد مع السياسة وسوق لدولته باكبر قدر ممكن من الدعاية القائمة علي احلام وتطلعات شعبه ودفعهم الي التمسك به رغم كل ما يقال عن تفرده بالسلطة ومع كل ذلك انا لا أحب الاردوغانين العرب، - - لماذا ؟

لأنهم لم يتعلموا من درس السيد اردوغان وانه محاولاته أتت بعد عدة محاولات فاشلة من إسلاميي تركيا لم يستطيعوا فيها توفيق التراث الاسلامي والعثماني تحديدا مع القومية التركية وإدماجهم مع روح العصر فصار الاردوغانين العرب اتباع ليس الا ، لم يستطيع احد استلهام تجربته واخص بالذكر اخوان مصر بالطبع وألوم ايضا علي القوميين العرب عدم فهمهم العميق لتجربته  

 في النهاية لست مستعدا للمساهمة في إحياء هذه النسخة الاسلامية من ثلاثينيات وأربعينات القرن العشرين. وإن كان هذا يعني أننا- نحن المسلمين  الضالين بما يكفي- علينا أن نحاول إنقاذ الروح  الاسلامية والقومية العربية من نفسهما، فليكن. لا ينبع هذا من حبنا  للإخوان   أو عبدالناصر   أو القاهرة  أو الرياض او غيرهم  بل حبنا للإسلام  والامة العربية  ، و لأننا ايضا نريد أن نقلل  من الخسائر الإنسانية غير الضرورية لهذه الأزمة التي تمر بها امتنا ونقصر الزمن حتي نصل لتلك الصيغة الحداثية المتصالحة بين دينها وبيئتها . 

ماذا يجب على العرب والإسلاميين  أن يفعلوا؟ 

تتعامل النخب العربية عموما والإسلامية خصوصا  اليوم وكأنها لا تفهم طبيعة الأزمة التي يقودونها ولا آثارها على مستقبل الحضارة الاسلامية والعربية . واختاروا بكل رجعية أن ينهبوا الأرصدة المعنوية  الخاصة بالضعفاء والمحرومين  والمهمشين والحالمين من أجل لاشئ كرسي زائل او حكم ضائع او تجربة انتهت   . 

لكن مع انغماس النخب العربية في الإنكار والتشوش، يجب علينا أن نعترف بأننا لسنا مستعدين  لسد الهوة التي سيسببها انهيار النظم الحاكمة حاليا وإحلال نظام جديد  فعال محلها. ولذلك مهمتنا يجب أن تكون مزدوجة: أولا، تقديم تحليل للوضع القائم يكون مقنعا ومنيرا للعرب حسني النية من غير المؤدلجين او بمعني اخر الكتلة الحرجة في اوطاننا وخاصة مصر  . وثانيا، اتباع هذا التحليل السليم بمقترحات من أجل تحقيق الاستقرار في دولنا العربية وخصوصا مصر   مرة اخرى وإنهاء دوامة الانهيار التي لن تقوي سوى المتعصبين والمتطرفين  في النهاية.

دعوني أنهي ما لدي باعترافين. أولا، إنني أقبل بأن أدافع عن أجندة متواضعة لتحقيق الاستقرار لنظام انتقده وأعتبر دفاعي هذا عملا رخيصاً . ولن أدعي أنني متحمس لهذا. قد يكون هذا ما علينا فعله في الظروف الحالية، لكنني حزين لأنني على الأرجح لن أحيا لأشهد بعيني تغيرا جذرياً. 

اعترافي الآخر شخصي . أعلم أنني أخاطر بأن أعوض حزني من عدم إضاءة شمعة أمل من أجل تغيير النظام الحالي الذي يعاني من فقر فكر عميق وعلى المستوى الشخصي، شعرت بأني في الحضيض بعد انتشار موجات ساخرة من كل شئ في مصر أشارك احيانا في تلك إلقاء تلك النكات وأحيانا اتجنبها لكنها في النهاية موجة سيئة وأهدافها غير امينة ويشارك فيها أشخاص مجهولين او غير جديرين الاحترام 

الاعترافات الجذرية- كتلك الذي أقوم به هنا- هي الطريق الوحيد للعودة الي الحياة  خصوصا اننا أمة علي حافة التاريخ لم يعد بتبقي لنا الا خطوة واحدة او اثنتين بالكثير ويصبح مصيرنا مثل مصير الهنود الحمر . إن كان علينا أن نشكل تحالفات مع أعداءنا السياسيين، فعلينا أن نتجنب أن نصبح كالاشتراكيين الذي فشلوا في تغيير العالم لكنهم نجحوا في تحسين ظروفهم الخاصة. التحدي هو أن نتجنب التطرف الثوري الذي يساعد في النهاية المتطرفين  الجدد على تجاوز كل المعارضة أمام سياساتهم الهدامة وأن  نبقى مدركين لمكامن الفشل الأصيلة في الدولة  ونحن نحاول إنقاذها من نفسها من أجل أهدافنا الاستراتيجية.

محمود سالم 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربي الضال -2

رحلة قصيرة ....