المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2024

"حين يصير الصمت أثقل من الضجيج: حكاية مدينة ماتت بصمت"

صورة
 كان يملأ المكان بصوته، يعيد نفس الكلمات كأنما يخشى أن يطويه النسيان إن سكت. ضجيجه كان يلتف حولي، يخنق أنفاسي، يثقل روحي. ظللت أحلم أن يرحل، أن أستيقظ يومًا فلا أسمع صوته، أن أجد المكان هادئًا، خاليًا من حضوره الثقيل. كنت أظن أن برحيله ستنفتح أبواب الحياة، وأن السعادة ستتسلل من بينها دون استئذان. لكن حين رحل أخيرًا، أدركت أن الفراغ أكثر ضجيجًا من أي صوت. المدينة بدأت تذوي كزهرة تُركت للنسيان. الجدران تشققت وتهدمت، الصور تكسرت وكأنها فقدت معناها، والأماكن التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى مساحات فارغة، ممتدة بلا نهاية. الخضرة ذبلت، وابتلعها لون الأرض الجدباء. الصمت كان كالسيف، يقطع في الروح بحدة لا تُحتمل. لا ضجيج بشر، لا زقزقة طيور، لا حتى صوت أنين. كل شيء توقف، وكأن الحياة انسحبت بهدوء وتركته خلفها. لم يبقَ إلا صوت الرياح وهي تعصف بلا هدف، وحفيف الأفاعي وهي تتسلل عبر الخراب، وصدى كلمات قديمة لشخص كان هنا، لشخص رحل ولن يعود. ومع كل لحظة، كنت أسمع صوتي يهمس: "كان الضجيج حياة، والهدوء مقبرة.